الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
76
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
في المخاطبات إنما هي تلك المفاهيم على الوجه المذكور دون صورها الذهنية أو وجوداتها الخارجية وإنما وجودها في الخارج من جملة أحوالها فينبغي أن يكون الألفاظ موضوعة بإزائها نعم الموجودات الخارجية أو الذهنية قد تكون مقصودة بالإفادة والموضوع بإزائها هو لفظ الوجود لا بأن يكون موضوعا لعين الوجود الخارجي أو الذهني لعدم إمكان حصول الخارجي في العقل ولا حصول الوجود الذهني الحاصل في ذهن في ذهن آخر ومن البين أن الغرض من وضع الألفاظ هو حصول المعنى في الذهن بواسطة اللفظ بل بوجه من وجوهه أعني المفهوم المذكور الصادق عليه وهو عنوان كاشف عنه ومرآة لملاحظته وقد تقرر في محله أن المعلوم بالوجه إنما يتعلق العلم حقيقة بذلك الوجه فليس الموضوع له هناك أيضا إلا المفهوم حجة القول بوضعها للأمور الخارجية أن من قال أكلت الخبز وشربت الماء واشتريت العبد وبعت الدابة وخرجت من الدار ودخلت البلد إلى غير ذلك من الاستعمالات الكثيرة إنما يريد من تلك الألفاظ الأمور الخارجية كما هو ظاهر من ملاحظة الخطابات العرفية فلو كانت هي الموضوع لها فهو المدعى وإلا لزم أن تكون تلك الاستعمالات كلها مجازات من جهة مشاكلة تلك الأمور الخارجية لصورها الذهنية وهو واضح الفساد لأدائه إلى أن انسداد باب الحقيقة والتزام التجوز في جميع الألفاظ المتداولة وهو مع مخالفته للأصل ضرورة كون الأصل في الاستعمال الحقيقة باطل بالاتفاق ويمكن الإيراد عليه من وجوه أحدها المنع من استعمال تلك الألفاظ في الأمور الخارجية بل إنما استعمل في الأمور الذهنية من حيث كونها مرآتا للأمور الخارجية فالانتقال من تلك الألفاظ إلى الأمور الخارجية بواسطة تلك الصور الذهنية فقضية الدليل المذكور إبطال القول بوضعها للأمور الذهنية من حيث حصولها في الذهن وذلك مما لا يتوهمه أحد في المقام كما مر وأما وضعها للصور الذهنية من حيث كونها مرآتا لملاحظة الأمور الخارجية وآلة موصلة إليها فلا إذ غاية ما يسلم من ملاحظة الأمثلة المذكورة وغيرها هو كون الحكم واقعا على الأمور الخارجية وهو لا يستلزم استعمال اللفظ فيها إذ قد يكون تلك الألفاظ مستعملة في تلك الصور الموصلة إلى تلك الأمور حيث جعلت مرآتا لملاحظتها فوقع الحكم عليها ثانيها المعارضة بالألفاظ المستعملة في المعدومات من الممتنعات وغيرها كشريك الباري واجتماع النقيضين والعنقاء وذي الرأس العشرة من الإنسان ونحوها فإن استعمالها في معانيها حقيقة قطعا ولا وجود لشيء منها في الخارج حتى يعقل كونها موضوعة للأمور الخارجة ثالثها المعارضة أيضا بصدق أحكام كثيرة على المفاهيم مما لا تحقق لها إلا في الذهن مثل قولك الإنسان نوع والحيوان جنس والجوهر صادق على كثيرين ونحوها فليس المراد بتلك الموضوعات إلا المفاهيم الموجودة في الذهن ضرورة عدم ثبوت تلك الأحكام لها في الخارج ومن المعلوم بعد ملاحظة العرف انتفاء التجوز فيها ويمكن دفع الأول بأن المفهوم عرفا من تلك الألفاظ في الأمثلة المفروضة ليس إلا الأمور الخارجية ابتداء وهي مستعملة فيها قطعا إلا أن تكون المراد منها الصورة الحاصلة في الأذهان الموصلة إلى تلك الأمور ليكون فهم الأمور الخارجية بتلك الواسطة وذلك أمر معلوم بالوجدان بعد ملاحظة المفهوم من تلك الألفاظ في تلك المقامات فإن قلت لا شك أن الانتقال هناك إلى الأمور الخارجة إنما يكون بتوسط الصور الذهنية لعدم إمكان إحضار نفس الأمور الخارجية بواسطة الألفاظ المستعملة من غير واسطة فمن أين يعلم كون اللفظ مستعملا في الأمور الخارجية دون الصور الذهنية مع أن المفروض حصول الانتقال إلى الأمرين فكما أنه يحتمل أن تكون مستعملة في الأمور الخارجية ويكون الانتقال إلى الصور الذهنية من باب المقدمة حيث إنه لا يمكن إحضارها إلا بصورها كذا يحتمل أن تكون تلك الصور هي المستعملة فيها من حيث إيصالها إلى الأمور الخارجية فيتبعها الانتقال إلى الخارج فإن الانتقال إلى الصور من حيث كونها مرآتا للخارج يستلزم الانتقال إلى الأمور الخارجية قلت لا ريب أن الصور الذهنية الحاصلة في المقام غير ملحوظة من حيث كونها صورا حاصلة في الذهن أصلا بل ليست ملحوظة إلا من حيث ملاحظة الخارج بها فليس المفهوم من تلك الألفاظ إلا الأمور الخارجية وليس الانتقال من اللفظ في ملاحظة السامع إلا إليها ابتداء غير أن الانتقال إليها في الواقع إنما كان بواسطة صورها وقضية ذلك كون حصول الصورة مقدمة عقلية للانتقال إلى تلك المعاني فإن دلالة اللفظ على المعنى كونه بحيث يلزم من العلم به العلم بمعناه فمعنى اللفظ في الحقيقة غير العلم بمعناه الحاصل من الدلالة أعني الصورة الحاصلة فتلك الصور الحاصلة من ثمرات الدلالة لا أنها نفس المدلول فتأمل ويمكن دفع الثاني بأنه إنما يتم المعارضة المذكورة إذا كان المراد من وضع الألفاظ للأمور الخارجية وضعها لها بحيث يؤخذ وجودها الخارجي جزء للمدلول أو قيدا فيه ولو أريد وضعها للأمور الخارجية بمعنى كون الملحوظ فيها ذلك ولو كان وجودها تقديريا حسبما تقدمت الإشارة إليه فلا نقض بما ذكر نعم قد يصح المعارضة بمثل المعدوم المطلق واللاشيء ونحوها والتزام القائل المذكور بالتخصيص غير بعيد حينئذ لبداهة عدم إمكان القول بوضعها للأمور الخارجية حيث إنه لا مصداق لها في الخارج لا محققا ولا مقدرا ودفع الثالث بالتزام التجوز في الألفاظ المذكورة ودعوى القطع بعدم كونها إذن مجازات ممتنعة كيف ومن الظاهر أن المتبادر من الإنسان والحيوان ونحوهما ليس إلا الأمور الخارجية ويصح سلبها قطعا عن الأمور الحاصلة في الأذهان وحينئذ فكيف يقطع بانتفاء المجاز في المقام مع كون المراد بها المعاني الحاصلة في الأذهان ولو قررت المعارضة بالنسبة إلى لفظ النوع والجنس والفصل ونحوها فهي عن الاصطلاحات الخاصة ولا بعد في الالتزام بالتخصيص بالنّسبة إليها أيضا ولا يذهب عليك أن التزام التخصيص في المقام وفيما مر مبني على حمل القول بوضعها للأمور الخارجية على الوجه الثالث أما لو أريد به ما قلناه فالإشكال مندفع من أصله كما هو ظاهر من ملاحظة ما قررناه والأولى الإيراد على الدليل المذكور بأنه غير مثبت للمدعى لإمكان القول بوضعها للماهيات من حيث هي ولا تجوز إذن في إطلاقها على الأمور الخارجية لحصول الماهيات في الخارج إلا أن يدعى كون تلك الاستعمالات في خصوص الأمور الخارجية مع ملاحظة الخصوصية في المستعمل فيه وهو حينئذ محل منع مضافا إلى ما عرفت من كونه أخص من المدعى لعدم جريانه في كثير من الألفاظ مما وضع للأمور الذهنية كالكلية ونحوها وما وضع للأعم كالزوجية والفردية ونحوهما فالتزام التخصيص إذن يرجع إلى القول بالتفصيل حجة القول بوضعها للأمور الذهنية أمور أحدها أن وضع الألفاظ للمعاني إنما هو لأجل التفهيم والتفهم ومن البين أن ذلك إنما يكون بحصول الصور في الذهن فليس المفهوم من الألفاظ إلا